الرئيسية / أقلام حرة / الإنجيل و القرآن و الفروقات في تصوير الإله / بقلم : بولطباق عزيز

الإنجيل و القرآن و الفروقات في تصوير الإله / بقلم : بولطباق عزيز

بالرغم من الصورة الإنسانية التي نعرف بها المسيح يسوع في التصور المسيحي عن الرب نجد الأمر مختلف تماما عندما نقرأ في أسفار الإنجيل، بخاصة العهد القديم، حيث نرى الرب الآب كائنا ينازع خلقه،ساديا فاشيا سرياليا غضوبا عمن صنعت يداه، فكأنما نرى هذا الرب قد تعرض لفاجعة مما يفعله الإنسان و صار يتماهى في إبراز قوته ضده بعقلية زيوس إله اليونانيين القدامى، وعلى فهذا قد نتدارك حقيقة ما.
إن آلهة اليونان في الأخير أناس فائقون لهم القدرة في التحكم بقوى الطبيعة، بين إله بحر و مطر و حرب وغير ذلك، و لما رأت تلك الآلهة مقدار تمرد الإنسان عليها سلكت طريق الحرب ضده، كانت قواها في إعصار أو طاعون أو حرب أو جفاف، وبهذا كتبت الإلياذة و الأوديسة ،شهدنا الآلهة الكاملة ،أنصاف الآلهة البشر الأبطال التواقين ليصل مرتبة السماء.
في الواقع إن تمرد الإنسان على آلهة اليونان تمرد على الطبيعة و قواها، وهو الساعي منذ الازل لتذليل الحياة و مصاعبها و سدد حاجاته و رغباته، و الإنسان قديما كان لا يفهم سبب الظواهر فكان يحيلها إلى كائنات من مخياله، ثم يتضرع لها كي لا تقف بطريقه، وعندما لا تسمعه الآلهة ولا تلبي رجاءه يتمرد، عندما ركب البحر لم يضنه الموت في عواصفه ولا توقف عند خسارة حرب ما ولا يئس عندما توقف المطر سنينا، استمر في تمرده و المحاربة للبقاء، فخلص اليونانيون على أن المسار الغير الطبيعي للإنسان في معاكسته للطبيعة بأنه حرب بين الفائقين و الضئيلين.
هؤلاء الضئيلون استقبلوا دين يسوع بشكل معين، و لما طال الزمن بهم فشلوا في نسيان تشكيلة آلهة زيوس و أبناء عمه التيي بقيت مع شبيهاتها معهم لمئات السنين، فرأينا إنجيلا فيه أرباب متعددون، رب سادي و آخر محب، يتميزان بمشاعر إنسانية و انفعالات لحظية كما يحصل مع البشر، و على هذا الأساس فإن كاتب الإنجيل لم يخرج من نطاق الإنسان الإله الفائق اليوناني، و لم يقدر إلا على الاستمرار في طريقة فهمه القديمة.
و في كلتا الطريقتين سواء اليونانية أو الإنجيلية فإن الحرب بين الأرباب و الإنسان كانت على الأرض، حيث يريد الإنسان التخلصص من قيود الطبيعة باستغلالها و محاولته فهم ظواهرها، و الالهة تسحقهم بقواها”الطبيعية”.
أما في القرآن فالموضوع مختلف تماما، و الاستمرارية في النظرية الأسطورية لآلهة العالم قد انعكست تماما حيث لا شيء اسمهه حرب مع الله بقواه الطبيعية، بل إن القرآن يؤكد أن البحر و البر مسخر للبشر، ولهذا فإن أي استغلال للبحر أو موارد البر و ما يوجد على الطبيعة عموما لا يعتبر تمردا، بل هو المركب الذي يسير به الإنسان نحو الحضارة الدينية و الدنيوية.
إن التاريخ لو كان شريطا لرأيناه ينقطع لدى رب المسلمين ثم يتخذ مسارا آخر مختلفا، لأنه الدين الوحيد الذي يدعو الناس إلىى التغلب على زيوس وبوسايدن وهاديس،وهو الوحيد الذي يدعو إلى أصالة الإنسان كشيء متميز على الطبيعة وليس نوعا أو شيئا ضمن الأشياء، وهو الدين الذي يجمع بين البعد الشاسع بين الله و الإنسان، وبين القرب الشديد بينهما أيضا.

شاهد أيضاً

ديك الانتخابات //… بقلم : ع.بولطباق

 منذ سنوات قليلة استقر أحد علماء الاجتماع دولة إفريقية فقيرة تعيش حياة قبلية و كان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.